صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
150
شرح أصول الكافي
وجوده المفارق عن المادة ولواحقها وغواشيها المانعة عن كون الشيء معقولا ، فان كل وجود صوري مجرّد عن المادة وعوارضها فهو معقول بالفعل كما برهن عليه في المباحث الحكمية ، فإن كان وجوده لغيره بان يكون قائما به كان معقولا لذلك الغير ، وان لم يكن وجوده لغيره بل قائما بذاته كان معقولا لذاته ، فكان ذلك الوجود بعينه عقلا ومعقولا لذاته وعاقلا لذاته ، فذاته تعالى بذاته عقل وعاقل ومعقول من غير تغاير بين هذه الأمور لا بالذات ولا بالاعتبار ، وهذا معنى كونه رائيا لذاته . وبالجملة ليست رؤيته تعالى لذاته بقوة جسمانية حسية ولا أيضا بصفة زائدة حتى يلزم المعارضة أو النقض ، بل القوة الجسمانية لا يمكن ان يكون مدركا لذاتها ولا لحامل ذاتها ولا لادراكها ، فالبصر لا يمكن ان تبصر ذاتها ولا آلتها ولا ابصارها وكذا السمع والشم وغيرهما ، لان كل مدرك لذاته يكون قائما بذاته مجرد عن محلّ ومادة ، وبهذا يحصل الفرق بين الاحساس والتعقل ، ولو سمى تعقله تعالى لذاته رؤية أو ابصارا لذاته فلا مشاحة في الأسامي بعد ظهور المعاني وتحقق الفرق بينهما فلا يرد بالاسم نقضا على القاعدة العقلية . واما المعارضة أو النقض برؤيته تعالى للعالم والعالم بما فيه ذو جهة واللّه برئ من الجهة ، فهي وان كان أقوى شبهة وأعضل عقدة في هذا المقام ، لكنا قد حللناها وفككناها بعون اللّه تعالى وقوته ، وهي مثل ما أوردها بعض اتباع الحكماء على قاعدتهم الحقة المشهورة من أن أفاعيل القوى الجسمانية وانفعالاتها لا تكون الا بمشاركة الوضع وتوسط المادة الجسمانية فلا يفعل جسماني في روحاني ، وعليه يبتني كثير من مقاصدهم كما يظهر لمن تتبع كتبهم وأقوالهم . فاورد النقض عليهم بان ذلك لو كان حقا فلقالب ان يقلب عليهم ذلك ويقول : فغير الجسم لا نسبة له وضعية إلى الجسم فلا يصدر منه الجسم ، فكذلك لا حد ان يقول في هذا المقام : إذا جاز ان يرى اللّه وهو غير جسم ولا في جهة العالم وهو جسم ، فليجز ان يرى اللّه تعالى وهو غير جسم بالعين وهو « 1 » جسم . فالجواب : ان هذه المعارضة نشأت من سوء التدبر وقلة التأمل في البرهان الذي أشرنا إليه ، وهو ان مصدر فعل القوة الجسمانية وانفعالها قوام ذاته ووجوده في نفسه يكون بالموضوع ، والمصدرية بعد القوام والوجود ، إذ الشيء ما لم يوجد لم يؤثر في غيره ولم يتأثر عنه ،
--> ( 1 ) - هي - م .